سفر إلى المجهول:

يسافرون في كل سنه وربما في كل فرصة وحين تسألهم: أين كانت الوجهة؟ يقولون إلى تلك البلاد ويبدأون سرد جولاتهم المكوكية في بلد لايعرفون عنه إلا شارع الأزياء والموضة.
تسأله: هل زرت متحف البلد؟ هل قرأت نقوشنا الإسلامية في صروح بلادهم؟ هل بحثت عن معالم البلد وحضاراتها؟
يبدأ الوجوم وكأنه يراك بعين أخرى.. وتلك الأخرى واحد من اثنين لاثالث لهما. أما أنه يراك بعين الناقم الذي لم يتمكن من السفر ويظن فيك سوء النية، أو أنه يعتقد أنك لاتعرف من الشارع المعني والموضة شيء بل أنت متخلف وتهتم بأمور لامعنى لها من وجهة نظره.
أحدهم وقبل سفره إلى مدريد للسياحة قلت له: هل ستزور ماتبقى منا في بلاد الاسبان؟ أخذ النقاش منحنى جميل وبدأ يناقشني فأسهبت في الحديث عن بصمات أمَّة صالت وجالت وتركت لها في كل شبر من بلاد العالم بصمة.
طلبت منه زيارة الجامع الاشهر خارج جزيرة العرب، جامع قرطبه حيث العمارة والنقش وعبق التاريخ. الجامع الذي كان جامعة للعلم وطلاب الشرق والغرب.
حدثته عن البشارات والمسجد الذي لايزال شاهد العصر على العصر.
قال لي: وماذا بقي لنا فيها؟ قلت له بقي فيها من سياحة العظماء مليوني مسلم.. عند زيارتك السياحيه ستتعرف على مليوني مسلم في بلاد كانت ومازالت وستظل تاريخ أوروبا الإسلامي واكبر مناراته.
انتهى الحديث وزارها الصديق وعاد.. حين عاد حدثني بحكايات أرحب وأوسع مما كنت اعرفه عن بلاد الاسبان ومعقل الإسلام يوماً.
أخيرا:
كم من سائح تجاوزه الزمن ولم يمر بالمكان كإنسان كان له تاريخ في مكان زيارته. اقرأوا ملامح البلدان وتفرسوا وجوه مناراتها فقد تلتقون صدفة بشيء منكم يستحق التوثيق.
فوضى أسئلة:


الخميس الماضي كنت في أحد المقاهي المزدحمة جداً في محافظتي. ماجعلني اذهب هي أسئلة رفضت الجلوس على الرف الهاديء: ترى لم كل هذا الازدحام؟ هل هي ذات التفاصيل ونفس الملامح كل ليلة؟ عن ماذا يتحدثون ولماذا هنا بالتحديد؟
اتخذت ركنا قصيا في ذلك المقهى الذي اعتقدت انه على صله وثيقه بالهدوء والاسترخاء والخروج من ضغوطات العمل والحياة، المنظر كان مختلفا عن ماكنت اتصوره، فالمكان الابعد فعليا عن الهدوء هو ذات المكان الذي تتداخل فيه أصوات الجالسين مع أصوات الشاشات.
ثم عادت الأسئلة : كيف يستمتع هؤلاء بكل هذه الضوضاء؟ لماذا اختار الشاب الذي يجلس أمامي الوحده مع أوراقه واقلامه؟ ولماذا ذات الشاب يطفيء شعلة الضجيج بسماعات الأذن؟
لماذا يجلس المسن الذي بجواري جنبا إلى جنب مع صديق عمره وشيخوخته ليلتقط الكلمات في الوقت الذي شاخ فيه السمع؟
أعدت ترتيبي وحاولت الانشغال عما يدور حولي بقراءة كتاب حملته مسبقا على هاتفي. قبل أن أغادر مقدمة الكتاب متجها إلى صفحته الأولى تعالت الأصوات في إحدى الجلسات، الجميع وقف ليرى المشهد.. وبحسب رواية احد جيراني في الجلسه المجاوره: (مافيه شي.. عامل أخطأ وضربوه الشباب)
بسيطه؟ وهل هو معصوم؟ عامل مفرد فكم هم الذين اعتدوا بالضرب؟
نعم هي فوضى أسئلة لكنها كانت تحتاج مني تفسيراً لكل هذا.
تركت مكاني متجها إلى (المطعم). في الطريق إلى الباب الخارجي صادفت العامل الذي تم الاعتداء عليه. كان منزوي في ركن ما يصارع حرارة موقف جعله يكتفي بالصمت.
لماذا يصمت؟ وكيف مر الموضوع مرور الكرام؟ كيف عاد الشباب للقهقهة واختار العزله؟
اخترت التبليغ بصمت عن الواقعه بعد أن سمعت اسم الاخ العامل بعد تردد اسمه بين الجالسين وبكره. ويبدو لي أنه قديم في المقهى كون الاغلب يعرفون من يكون.
وكيف يعرفونه ولايتدخلون؟ كيف تقتل الحقوق بكلمة (بسيطه)؟
تركت المكان وركبت سيارتي وانطلقت وانا أتساءل :
مالذي دفعني؟ ولماذا استسلمت للأسئلة؟

أخيرا:
بعثروا لحظات الاغتراب بالاسئلة. فمن لايسأل سيجد مفاهيمه مضرّجة بدماء (كل الناس كذا)
لماذا اخترت هذا الطرح؟ لماذا ياسيدي الفضول؟ هل انتهيت يافوضى الأسئلة؟